الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

497

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يأمر الأرض أن تبتلعكم ، وتنقلكم باستمرار - وأنتم في داخلها - من مكان إلى آخر بحيث أن الهدوء لا يشملكم حتى وأنتم في قبوركم . وهكذا تفقد الأرض استقرارها وهدوءها إلى الأبد ، وتسيطر الزلازل عليها ، وهذا الأمر سهل الإدراك والتصور للذين عاشوا في المناطق الزلزالية ، وشاهدوا كيف أن الزلازل تستمر عدة أيام أحيانا وتبقى الأرض غير مستقرة وتسلب من سكان تلك المناطق لذة النوم والأكل والراحة ، غير أن تصور هذا الأمر بالنسبة إلى عامة الناس الذين ألفوا هدوء الأرض أمر صعب . التعبير ب‍ ( من في السماء ) إشارة إلى ذات الله المقدسة ، ولما كانت حاكميته على جميع السماوات ومن فيها من الأمور المسلمة ، فما بالك بحاكميته على الأرض ، إنها من الأمور التي لا شك فيها - أيضا - بل هي من باب الأولى . قال البعض : إن العبارة السابقة إشارة إلى ملائكة الله سبحانه في السماء المكلفين بتنفيذ أوامره تعالى . ثم يضيف سبحانه : أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فلا يلزم حتما حدوث زلزلة لتدميركم ، بل يكفي أن نأمر عاصفة رملية لتدفنكم تحت رمالها . . وحينئذ ستعلمون حقيقة إنذاري وتهديدي : فستعلمون كيف نذير . إن إدراك طبيعة هذا التساؤل سهل بالنسبة إلى الأشخاص الذين عاشوا في المناطق الرملية المتحركة والرياح ( الحاصبة ) ، ( وهي الرياح التي تحرك كميات الحصى المتراكمة وتنقلها من مكان إلى آخر ) فهؤلاء يدركون إمكانية دفن البيوت أو القرى في لحظات تحت تلال من الحصى والرمال المتحركة ، وكذلك القوافل السائرة في وسط الصحراء . وفي الحقيقة فإن الآيات أعلاه تؤكد أن عذاب العاصين والمجرمين لا ينحصر في يوم القيامة فقط ، حيث يستطيع البارئ عز وجل أن يقضي على